ما للكلام الخفيف خلقنا.. ولكن للقول الثقيل..

كتبهاحسين بن عفيف ، في 16 أبريل 2008 الساعة: 13:30 م

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
فقد طفقت أتأمل في مجالس الدعاة، ومجالس العوام، فوجدت بوناً شاسعاً.
فمجالس الدعاة مجالس جد لا تعرف الرخيص من القول، فلا تكاد تجلس معهم مجلساً إلا وتجد ملذوع القلب والفؤاد الذي يحدثك عن واقع أمتك، وما أصابها من نكبات، فيمضي يحدثك عن غزة وإخوان لك جياع هناك قد هدمت بيوتهم على رؤوسهم، ويتم أطفالهم، ورملت نسائهم، ثم ينتقل بك إلى الحديث عن العراق وما آل إليه حال المسلمين هناك من ضياع أمن وخيرات، وأنواع نكبات، ثم يطوف بك في أرجاء العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه، ثم تهز قلبه لذعة.. فيقول: آه.. والدمع يكاد يملأ مآقيه، وأترك لك أن تفكر فيما تحت (آه) هذه من لوعة وحسرة..
وأما آخر.. فيحدثك عن الله عز وجل، وكيف نتحقق بعبوديته، ونحسن التوجه إليه؟ في حديث إيماني رائق ترفرف معه القلوب، وتستكين الجوارح…
وثالث.. يحدثك بحماس وانطلاق عن مشروع دعوي إصلاحي هو في صدد القيام به…
ورابع.. حديثه الدائم معك عن مشاريع الإغاثة وسد حاجات المحتاجين، وإشباع الفقراء الجائعين، وكفكفة دموع اليتامى والمساكين.
وخامس.. يحدثك عن مسألة شائكة من دقائق العلم سهر طول الليل من أجل أن يبحثها، ويبين وجه الصواب فيها، حتى ينير للمسلمين دروبهم فلا يسيرون إلا على بيضاء من الحق ناصعة.
وسادس.. وسابع.. في منظومة إصلاحية رائعة لا تكاد تخرج منها إلا بعزم أكيد.. يفل الحديد..
أما مجالس العوام ففي غالبها حديث عن الشهوات والغفلات، كمثل ما حدثنا عنه ربنا عز وجل في كتابه الكريم بقوله: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المآب) [آل عمران: 14].
فحديثهم لا يكاد يخرج عن هذه القضايا: نساء، وأسهم نازلة وصاعدة، وأرصدة في البنوك مرابية، وسيارات فارهة، ومقتنيات مترفة.. وإن لم يكن هذا مجال حديثهم فغيبة ونميمة، وهمز بالقول، ولمز بالفعل، ومفاخرة وسخرية واستهزاء، أو عصبية لفريق أو قبيلة.
تجلس مع أحدهم المجلس فلا تخرج منه إلا بقلب منكد، وعزيمة خائرة، ونفس ضعيفة، إن لم يكن قد أصابك من الذنوب ما أصابك.
يصف الأستاذ الراشد حفظه الله تعالى فرق ما بين القومين فيقول: (ومجالس الدعاة، سواء في البيوت أو المقاهي، لا تعرف البطالة، وعنوانها الجد.
غيرهم يتحدث ساعة عن مسبحة صاحبه ونوعها ولمعانها وسعرها..!
وغيرهم يقضي جلسته بتتبع أسعار الباذنجان..!
أما هم فيمرون سراعاً بمثل ذلك، ويرتفعون عن أحاديث العوام.
ويتواصون بالصبر والحق والعلم النافع ومصالح المسلمين.
ولله در ابن الجوزي حين وجدته يقول:
(لقد شاهدت خلقاً كثيراً لا يعرفون معنى الحياة..
فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله، فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس، وكم تمر به آفة ومنكر..!
ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج..!
ومنهم من يقطع الزمان بكثرة الحوادث من السلاطين، والغلاء والرخص، إلى غير ذلك..!
فعلمت أن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك..
وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم).
ما للكلام الخفيف خلقنا، ولكن للقول الثقيل، …).[أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي (1-26)]
ولي وقفة هنا مع الدعاة إلى الله عز وجل في مجالسهم مع العوام التي لابد لهم منها حين جريهم لكسب معاشهم في وظائفهم وأسواقهم، أو بين جيرانهم وأقاربهم، فأمامهم هنا عدة خيارات:
 إما أن يختاروا عزلة عن هذه المجالس وانزواء عنها فيكونوا محط أنظار، وحديث ألسنة.
وإما أن يخالطوا ويغامروا ويسقطوا في الأوحال مع الساقطين، ولا يكون لهم أي فضل عما سواهم، فبئس ما اختاروا لأنفسهم!
وإما ثالثة أختارها لنفسي ولإخواني الدعاة، وهي أن يخالطوا الناس ويصبروا على أذاهم، بأن يحاولوا التغيير في مجالات الحديث واهتمامات الناس من حولهم.. فما كان من حديثهم محرماً من غيبة أو نميمة أو سخرية واستهزاء أو مجاهرة بمعصية لم يجاروهم فيه، بل ذكروهم بالله عز وجل بالأسلوب المناسب الرفيق أو اعتزلوهم أثناء حديثهم ذلك..
وما كان من حديثهم دائراً في أمور الدنيا الرخيصة فما أجمل أن يشاركوهم في حديثهم منتقلين بهم إلى مجالات علوية رفيعة، وما أسهل هذا على المليء الراغب.
وما كان من حديثهم على الجادة شاركوهم فيه مع التصحيح والتقويم للأفكار فنظرة من عانى ليست كغيره.
وطريقهم في كل هذا الحكمة والتدرج فيمكنهم أن يبدأوا بكسب تأييد المناصر القريب.. ثم الأبعد قليلاً منه، ثم الذي بعده، وواحد بعد آخر حتى يكتمل لهم ما يصبون إليه من تغيير.
 
وبعد هذا..
فإن لم يقدر داعية الإسلام على كل هذا فطريقه خلطة لابد له منها مع عزلة شعورية له فيها سلف..
وذلك بأن يشغل نفسه بأوراق وأقلام، أو كمبيوتر وانترنت، أو تفكير وتأمل، كما كان يفعل الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله حين كان يشغل نفسه ببري الأقلام حين يجتمع عليه البطالين الذين يضيعون الأوقات، فهو بجسده معهم ولكنه بعقله وتفكيره في مكان ثان.
وتحذير شديد أتوجه به إلى أخواني الدعاة، بأن يحذروا على هممهم واهتماماتهم مثلَ هذه المجالس، فأقل ما فيها أنها تبرد الهمم، وتُقنع النفوس الأبية بالدون، فما لهذا قد أعددنا نفوسنا…
قد هيأوك لأمر لو فطنت له               فأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

     وما للكلام الخفيف خلقنا.. ولكن للقول الثقيل..

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نسمات اجتماعية, نسمات تربوية | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

8 تعليق على “ما للكلام الخفيف خلقنا.. ولكن للقول الثقيل..”

  1. ادراج غني بمعانيه الساميه

    تحياتي

  2. اشكر لك أختي الفاضلة زيارتك وتعليقك…

    جزاك الله خيراً…

  3. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته …..

    جزاك الله الف خير أخي حسين و الله جعلتني أتصور حالي و حال مجالسي بهذا الطرح فقد تغير الحال بعد فراقي مكان عملي القديم و إني والله أستفقد تلك الأيام الخوالي و أسأل الله أن يعيدها علي بجمي مع الأصدقاء القداما أمثالك .

    مره أخرى جزاك الله ألف خير و على فكر هذا أسلوب أخر غير الذي ذكرت في الطرح .

    والسلام ختام

  4. أشكر لك أخي الغالي أبو زياد زيارتك وتعليقك وحسن ظنك…

    وأسأل الله أن يكرمني وإياك بصحبة الأخيار ومجالسهم ففيها يجد الإنسان نفسه، وبها يرتقي إيمانه، وبهداياتها يصل المرء إلى ربه في سكينة وخشوع…

    ولم أفهم ماذا تقصد بقولك…

    (و على فكر هذا أسلوب أخر غير الذي ذكرت في الطرح )

    جزاك الله كل خير…

  5. السلام عليكم ورحمة الله و بركاته

    أخي العزيز حسين

    أقصد هذه المدونه الخاصة بك .

  6. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته,,,

    جزاك الله ألف خير أخي على ردك وزياراتك المتكررة، وتعليقاتك…

  7. رائد السفياني قال:

    استاذي حسين..

    تحية طيبة وبعد ،،

    أرجو أن لا يفهم من كلامك أنه تعزيز لأبراج الدعاة العاجية وتكريس لنفسية العزلة سواء المادية أو الشعورية

    فحاجة مجالس العامة كبيرة (لإختراقها) لنتداول مشاكلهم ((الحقيقية)

    وحاجتنا كبيرة لمعرفة نفسية المخاطب تماما

    فكل ما أخشاه أن يصبح كلامنا ضرب من الصراخ في الهواء

    تحياتي وأشواقي

  8. أشكر لك أخي رائد مرورك وتعليقك…

    وأحب أن أضم صوتي إلى صوتك، بأني لم أقصد من كلامي هنا العزلة المذمومة التي تبعد المرء عن مجالس الناس والانزواء عنهم بحجة أن عندهم مناكر وتضييع أوقات، وإلا فأين دور الداعية الذي يخالط الناس ويغير فيهم ويبدل…

    والذي أردته من كلامي هنا أن يحذر الدعاة على أنفسهم من السقوط وهم لا يشعرون، بأن يخالطوا الناس ويصبروا على أذاهم وأن يكون عندهم من الحساسية على أنفسهم وإيمانهم وأخلاقهم بحيث يصلحون أحوال الناس المعوجة ويبقون على إيمانياتهم العالية وأخلاقهم الرفيعة، وهو أمر ليس بالسهل…

    أسأل الله أن يعينني وإياك وجميع الدعاة إلى الله عز وجل عليه…

    وما ذكرتَه من ضرورة معرفة نفسية المخاطب تماماً هو فن نحن بأمس الحاجة إليه، حتى يحسن التوجيه والتغيير، ومتى ما استعجل المرء حكمه على الآخرين بمجرد قول قالوه أو تصرف فعلوه دون معرفة نفسياتهم، فإن هذا الأمر سيؤدي به إلى الخطأ في التصرف، ومواجهة السلوك بما لا ينبغي من هجر أو عزلة.

    وجزاك الله خيراً مرة أخرى على إثرائك للموضوع وطرحك…



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول