لقد توقفت كثيراً عن الكتابة في هذه المدونة، لأسباب عدة لعل من أهمها أني جعلت على نفسي - مع ضيق وقتي- ألا أسود على بيضاء إلا ما تفاعلت معه نفسي، وتردد كثيراً على خاطري، وكان فيه نفعاً لقارئه، من زيادة علم، أو تصحيح فكر، أو نقاء روح، أو إيقاد حماس. فلست أكتب كل ما يرد على خاطري، وإنما أنتقي لقارئ سطوري ما يليق به، ولهذا فإني أطلب لنفسي ساعات صفاء البال، واتقاد الذهن، لأكتب وأسطر، وقد أكتب السطر وأمحوه مرات ومرات حتى يستوي على سوقه قائماً لحاصده، فالكتابة صنعة أثرها على قارئها لا يقل عن أثرها على صاحبها.. فعليّ هنا حسن الصنعة والاختيار، وعليكم يا من اخترتم قراءة كلامي طائعين، حسن التفهم والاستيعاب، مع حسن النقد والتقويم.
والكتابة أيضاً أمانة في عنق من يحسنها، وهي من جهاد الكلمة المطلوب، ومن هذا الباب فإني أجد نفسي مضطراً إلى أن أكلف نفسي فوق ما تطيق، لأخرج لزوار مدونتي تحفاً هي بهم أليق، ولعقولهم أوفق، وبهم أرفق… وبالله التوفيق، وعليه التكلان، ومنه المدد والإعانة…
وقد تفاعل مع نفسي الفترة الماضية مقال جميل جداً له علاقة بكلامي هذا ومنه استللت عنوان مقالي، أحب أن أنقله إليكم كاملاً مع طوله، وهذا المقال هو بعنوان (الدموع الباسمة)، وهو للداعية الكبير الأستاذ/ محمد أحمد الراشد، كتبه في (مجلة المجتمع) الكويتية، ثم أودعه كتابه الرائق (نحو المعالي)، ولا أريد أن أطيل عليكم بكتابتي حارماً إياكم لذة الاستمتاع بقراءة هذا المقال الذي يقول فيه:
الدموع الباسمة
يشتهر بين الناس تشبيه الأولين لعمل المصلح المتجرد بشمعة، تحرق نفسها، لتضيء للآخرين.
وكان الكاتبون، أصحاب الأقلام، والتدوين، والتأليف، والصحف، يرون أنفسهم أصفى هذه الشمعات، ويظنون شعاعهم أوهج اللمعات، لما في وصف الناس للعلم بالنور من قرينة تصرف تفسير التشبيه إليهم.
وذاك شرف، نعمّا هو، يحق معه لهم ولغيرهم أن يتنافسوا في الانتساب إليه، والسباق إلى التحلي به.
ولكني رأيت من خفي الحكمة ما هو أبرع في وصف الأقلام، ودورها في التوجيه، والبهجة التي تبعثها، فقد أطل ذكي على ساحة الحياة، يتتبع مكامن البسمات بعد أن امتلأت أحزانا، فاكتشفها فقال:
( لم أر باكيا أحسن تبسما من القلم )
هكذا هو الكاتب، وإنها لكذلك الأقلام حقا إذا سال منها المداد، وذرفت الدمعات السود.
يجوب صاحب القلم الكبير الميادين، وتكون له سياحة في آفاق الأعمال، كل الأعمال، وينقب في الماضي يستخرج السوابق، ثم يرجع يختلي، يقيس ويقارن، ويحلل ويعلل، لتسطر دمعات قلمه التجارب وما وجد، لتجف دمعات قلوب التائهين، ويكون ثم ابتسام.
إنها متاهات الحياة يهيم فيها أكثر البشر، فتأتي تجارب المربين، عبر دموع الأقلام، تعصم من الخطأ وتوجه، وتنتشل من التخبط وتسدد، وترسم الطريق وتخطط، فيعقل ساذج، ويتململ راقد،













